أحمد الشرباصي

67

موسوعة اخلاق القرآن

وتشير السنة إلى ما تتطلبه فضيلة كظم الغيظ من جهد ومعاناة ، ومغالبة للهوى والنفس ، فيقول الحديث الشريف : « ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه اللّه تعالى » . فالتعبير بكلمة « جرع » تفيد معنى المعاناة والمعالجة وحمل النفس على الشيء المتعب الذي يعقب خيرا ، كما يتجرع المريض الدواء المر ليورثه الشفاء والعافية . وهذا هو الأصفهاني يقول في كتابه « مفردات القرآن » عن مادة جرع : جرع الماء يجرع ، وقيل جرع وتجرعه إذا تكلف جرعه ، قال عز وجل : « يتجرعه ولا يكاد يسيغه » . وكأن احتياج كظم الغيظ إلى الجهد والمشقة والمقاومة ، هو بعض السر في أن اللّه تبارك وتعالى قد جعل هذه الفضيلة من أخلاق أهل التقوى ، كما جاء في التنزيل المجيد : « أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ » . ولعل هذا هو السبب في أن السيدة عائشة رضي اللّه عنها كظمت غيظها ، حينما غاظها بعض من يخدمها ، وقالت : « لله در التقوى ما تركت الذي غيظ شفاء » . * * * [ العامل المفسد لكظم الغيظ ] والغضب هو العامل المفسد لكظم الغيظ . فمن استجاب لداعي الغضب لم يستطع ان يكظم غيظه ، ولذلك يروى أن رجلا رحل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له : علّمني شيئا ، ولا تكثر علي لعلي أعيه . فقال له : لا تغضب ، فكرر الرجل قوله مرارا ، وفي كل مرة يقول له النبي : لا تغضب . وفي بعض الروايات أن هذا الرجل يسمى « جارية بن قدامة »